يجلس على كرسيه الخشبى مستلقياً بظهره إلى الخلف سارحاً فى إحدى أنغام عمر خيرت " مكان فى القلب " يعيدها عشرات المرات دون سأم.. تاركاً كل ما يزاحم ذهنه من أفكار وهموم لا يعرف كيف تراكمت بداخله .. إنها إحدى لحظات الاسترخاء التى لا نحظى بها إلا قليلاً التى تجعلك تنخرط فى حالة صمت وقعها عليك أقوى من آلاف الكلمات .. تلك اللحظات التى تجعلك تنفرد بذاتك و تنغمس فى التأمل .. تتأمل الحياه وهى تدور من حولك بينما أنت ثابت فى موضعك تراقب تحركها عن كثب ليجد أنه أضاع من حياته الكثير فى أمور لا تحتاج ذلك القدر من العناء الذى عاشه ..
يكتشف أنه طالما كان يقسو على نفسه و يقيد حريته و يكبت رغباته بينما يساعد الآخرين فى تحقيق رغباتهم .. يجد أنه دائما كان يمد يد العون لكل من حوله بينما لم يجد من البعض المقابل .. يتألم حينما يدرك أنه كان يضع بيده العراقيل التى تمنعه من تحقيق أحلامه فهو دائما ما كان يصعب الأمر على نفسه و يكاد يجزم لنفسه بأنه سيفشل و لن يصل لذلك الهدف .. فهو لا يعلم حقا لماذا كان يرى الحياه بذلك اللون القاتم على الرغم من أنها تحوى الكثير و الكثير من ألوان البهجه .. لا يعلم لماذا كان يقيد نفسه فى ذلك الركن الكئيب الذى اتخذه و يترك ذلك الفراغ الأبيض من حوله ليملأه حياه .. ربما بعض المفاهيم و المبادئ قد تخالطت عليه و ظن أنه لكى يعيش الحياه بالنهج الذى اختاره لنفسه فمن الواجب عليه أن يحرم نفسه من متع كثيره لكنه الآن أدرك أن ذلك النهج الذى اختاره يتيح له الكثير ليشغله و يحقق فيه ذاته و أن هناك الكثير من يطمع أن يسير على نفس النهج الذى يتبعه ..
لا يعرف لماذا أدمعت عينه عندما تذكر بعض اللقطات من حياته التى كان يقضيها وحيداً منزوياً فى حجرته يبكى فى صمت على أحلامه الضائعة و طموحاته صعبة المنال .. يدرك ان ذلك المكان فى القلب شبع حزناٌ حتى أصابته العلة و ربما آن له الأوان ليظفر بفرحة تعيد بعض من ملامحه القديمة و بعض من ابتساماته و تعيد اليه الحيويه التى كانت تصحبه دائما .. يدرك أخيرا ان قلبه الطيب لا يستحق ذلك القدر من اللوم الذى كان يوجهه لنفسه يوميا و أنه يستحق بعض الحب لأنه صمد طويلا معه رغم قسوته عليه و لتحمله كل تلك الذكريات التى لن يحتملها أحد غيره ..
يشعر الآن أنه يستطيع أن يلمس الهواء داخل رئتيه فهو لم يشعر بأنفاسه من قبل بل لم يشعر بأنه حى ! .. الان يدرك كل نفس و كل ضربة من ضربات قلبة تذكره بأن الحياه مازالت أمامه ليملأها فرحة و أن طموحاته صعبة المنال ستتحقق شيئا فشيئا إن لم يكن اليوم فهو الغد فطالما القلب ينبض بإمكانك أن تفعل المستحيل .. يشعر انه لابد أن ينهض من على كرسيه الان ليضع قائمة لأحلامه لذلك العام .. لفت انتباهه كيف تغيرت نبرة صوته عندما بدأ يتحدث عن مستقبلة المشرق لفت انتباهه ايضا تلك الابتسامه المضويه التى تعترم وجهه الان .. :)
